محمد بن الطيب الباقلاني

252

إعجاز القرآن

ويعرف أيضا أهل عصره ، ممن هو في طبقته أو يدانيه في صناعته ، عجزهم عنه ، فلا يحتاج إلى التحدي حتى يعلم به كونه معجزا . ولو كان أهل الصنعة الذين صفتهم ما بينا لا يعرفون كونه معجزا حتى يعرفوا عجز غيرهم عنه - لم يجز أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم ، أن القرآن معجز حتى يرى عجز قريش عنه بعد التحدي إليه ، وإذا عرف عجز قريش لم يعرف عجز سائر العرب عنه حتى ينتهى إلى التحدي إلى أقصاهم ، وحتى يعرف عجز مسيلمة الكذاب عنه ، ثم يعرف حينئذ كونه معجزا . وهذا القول - إن قيل - أفحش ما يكون من الخطأ ! ! / فيجب أن تكون منزلة أهل الصنعة في معرفة إعجاز القرآن بأنفسهم منزلة من رأى اليد البيضاء وفلق البحر ، بأن ذلك معجز . وأما من لم يكن من أهل الصنعة ، فلا بد له من مرتبة قبل هذه المرتبة ، يعرف بها كونه معجزا ، فيساوى حينئذ أهل الصنعة ، فيكون استدلالها في تلك الحالة به على صدق من ظهر ذلك عليه على سواء ( 1 ) ، إذا ادعاه - دلالة على نبوته وبرهانا على صدقه . فأما من قدر أن القرآن لا يصير معجزا إلا بالتحدي إليه ، فهو كتقدير من ظن أن جميع آيات موسى وعيسى ، عليهما السلام ، ليست بآيات حتى التحدي إليها والحض عليها ، ثم يقع العجز عنها ، فيعلم حينئذ أنها معجزات ( 2 ) . وقد سلف من كلامنا في هذا المعنى ما يغنى عن الإعادة . ويبين ما ذكرناه في غير البليغ : أن الأعجمي الآن لا يعرف إعجاز القرآن إلا بأمور زائدة على الأعجمي الذي كان في ذلك الزمان مشاهدا له ، لان من هو من أهل العصر يحتاج أن يعرف أو لا أن العرب عجزوا عنه ، وإنما يعلم عجزهم عنه بنقل الناقلة إليه أن ( 3 ) النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى العرب إليه فعجزوا عنه ، ويحتاج في النقل إلى شروط ، وليس يصير القرآن بهذا النقل

--> ( 1 ) س : " سواه " ( 2 ) م : " معجزة " ( 3 ) م : " لان "